فوزي آل سيف

109

من قصة الديانات والرسل

ولهذا ليس مقبولاً من الفرد في المنهج الإسلامي أنْ يُهملَ معاشه وحاجاته الطبيعية بحجةِ انصرافه للآخرة وزهده في الدنيا، كما في المقابل ليس مقبولاً منه أنْ ينغمس في الدنيا فتكون أكبرَ همّه؛ منصرفًا عن الهدف الأساس لوجوده. (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ).[312] يريد الإسلام للإنسان أنْ يحيا حياةً كريمةً متمتِّعًا بنعم الله عليه دون طغيانٍ أو إسرافٍ؛ إذ يَعدُ القرانُ الممتثلَ بالمنهج القويم بقوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) في هذه الدنيا. ويعده بقوله (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[313]في الآخرة. وفيما يرتبط بالمناهج الاجتماعية: هل نقدم مصلحة الفرد أو مصلحة المجتمع: هل أنّ الأولوية للفرد؟ وبالتالي فإنّ القوانين التي تخدم الفرد بشكل أساس؛ تعطي له الحرية الكاملة على الصعيد الشخصي والحرية الاقتصادية في الاستثمار، والحرية السياسية بلا حد؟ أم أنّ العكس هو الصحيح؛ فتوضع القوانينُ مفصَّلةً لخدمة المجتمع وإنْ أضرّت بالفرد وسحقته وضيّعتْ حقوقه؟ لقد لاحظنا أن الأنظمة الاجتماعية في العالم تنحو أحد المنحيين، كما يظهر الأول في المجتمعات الليبرالية والرأسمالية، ويتبين الثاني في المجتمعات الاشتراكية والشيوعية. لقد توسط الإسلام بشكل فريد في قوانينه وتشريعاته، فهو يراعي مصلحةَ الفرد في إطار مصلحة المجتمع؛ وكما يتيح له الحرية الشخصية والاقتصادية والسياسية يؤطرها بقوانين ويحدها بحد أن لا تفسد المجتمع، وأن لا تتلف وحدته أو عقيدته، فيشرع قانون (لا ضرر ولا ضرار) وأمثاله. كذلك يوجب على الأمة أن لا تطغى على حقوق فردٍ من أفرادها بذريعةِ مصلحةٍ عامة؛ بل يُصدِّر الإسلام خطابًا للمجتمع فيجعل من خلاله المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعضٍ، يسيرون في حركة متسقة؛ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. في المجال الفكري والمنهجي؛ هل نعتمد في أصولنا العقائدية أو أحكامنا الشرعية على ما يصل إليه عقل الإنسان عبر القواعد والبراهين العقلية؛ فلا نعتني بما هو منقول لأن العقل حجة تامة، وإنما تعبَّد الله الناس بالعقل؟ أو أننا نذهب إلى ما جاء به النقل سواءً كان عبر القرآن الكريم أو كان عبر سنة رسول الله صلى الله عليه وآله والمعصومين؟ التعارض بين أمر النقل وأمر العقل قضيته محلولةٌ في الإسلام ـ خصوصا عند الامامية ـ وذلك لأن الأدلة الأربعة التي يعتمدها علماءُ الإسلام في الاستنباط الفقهي تضم الجانبين النقلي العقلي. وكذلك بالنسبة للعقائد الإسلامية؛ لا توجد عقيدةٌ إسلاميةٌ واحدة تصطدم بالعقل وتقريراته؛ بل إنّ المنهج العقلي جليُّ واضحٌ -على صعيد العقيدة – في إثباتات وبراهين القران الكريم. على سبيل المثال... نلحظ في جدال القران الكريم العقلي مع المشركين بالله، وهؤلاء لا يعتقدون بالقرآن ولا بمن أنزله، إلا أنه يقدم لهم برهانًا عقليًّا لا يملكون له جوابًا! يقول لو كان هناك أكثر من إله؛ لحاول كلُّ إلهٍ الانفراد بما خلق، وحاول التسلّط على منافسه.

--> 312 القصص: 77 313 النحل: 97